المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العصمة في سورة الفاتحة ( حلقات )


حسن الرستم
07-23-2009, 04:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


العصمة في سورة الفاتحة


الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد:


فإن العصمة من المفاهيم الكلامية التي اتفق علماؤنا على مجملها ،وقد أشبعت بحثا في المظان الكلامية وبحسبك أن تطل إطلالة سريعة على المكتبة الكلامية فإنك لا تلبث أن تجد عشرات من الكتب والأبحاث قد تناولت هذا البحث ،وقد خطر ببال هذا العبد الحقير أن يدلو بدلوه في قليب هذا البحث ،غير أنني أخذت على نفسي أن ابتكر الطريقة في ذلك ،وأن أكون أبا عذرة هذا البحث،لكنني والحق يقال قد اهتديت بنائرة كتاب الألفين للعلامة الحلي فقد سرحت فيه فكري فوجدته يغريني ويفتق في خلدي الفكر الجديدة ،ولا غرو فهو من هو علما ومعرفة .وكنت قد ألقيت هذا البحث مرتجلا في بعض المجالس ،لكنني تركته شرودا حتى أزمعت تقييده الآن ،فخذوه فعسى أن يكون ذا نفع وفائدة ومن الله أستمد العون والتوفيق.


قال تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2


ابتدأ الله عز وجل هذه الآية بقوله: الْحَمْدُ،وهي كلمة معرفة بلام التعريف ،فما نوع هذه اللام؟قال الزمخشري في الكشاف:فإن قلت :ما معنى التعريف فيه ؟قلت :هو نحو التعريف في أرسلها العراك ،وهو تعريف الجنس ،ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو،والعراك ما هو،من بين أجناس الأفعال،...ج1ص112.


فالزمخشري يرى هاهنا أن اللام هي اللام الدالة على الجنس،ومقتضى ذلك أن كل ضروب الحمد له سبحانه ،وأنه خلو من كل ضروب الذم ،ولازم ذلك أنه لايفعل إلا المحمود بل لايدع ماكان في تركه ذم له سبحانه وتعالى،فهو محمود في أخذه ومحمود في تركه،وهو محمود في عقابه ومحمود في ثوابه وهكذا دواليك.وقد تسأل فتقول :إن هذا المقتضى هو مقتضى لام الاستغراق لالام الجنس فما الجواب؟فأقول:إن الجنس يقتضي إطلاق لفظه على كل فرد من أفراده ،فقولك :إنسان ،لفظ جنس ولكنك قد تطلقه على كل فرد من أفراده ،وقد تعنى به كل أفراده على نحو الاستغراق ،فتأمل ،وقد قيل في تعريف الجنس إنه: اسم دال على كثيرين مختلفين بأنواع .



وكلي مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ما هو من حيث هو كذلك فالكلي جنس.(انظر التعريفات للجرجاني).والله أعلم.وقد ذكروا في الفرق بين لام الجنس ولام الاستغراق أنهما من حيث اللفظ والمدلول متحدتان ،ومن حيث الدلالة غير متحدتين لأن لام الجنس تدل على جنس الشيء بالمطابقة وتدل على جميع أفراده بالواسطة ،أما لام الاستغراق فتدل على جميع أفراد الشيء بالمطابقة.(انظر: رسائل الكركي ج3 ص165الهامش.



فعلى هذا –إن صح-فإننا نريد الوجه الذي اتفقتا عليه ،فالجنس إذن استغراق في جهة من جهاته.والله أعلم.


عود:فإذا كان الأمر على ما قدمت لك فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق وهو بين أمرين إما أن يرشدهم ،وإما أن يدع إرشادهم ،ولازم الثاني ضلالهم وهذا قبيح يذم عليه ،فعليه يلزمنا الأول وهو أن يرشدهم ،وإرشادهم إما أن يكون بمعصوم أو بغير معصوم ،ولازم الثاني الخطأ والسهو والنسيان والغفلة وغلبة الشهوة ثم عدم الرشاد ومقتضى ذلك أن يذم الله تعالى –والعياذ بالله-فيلزمنا الأول وهو المطلوب والله العالم وإلى لقاء آخر .

حسن الرستم
07-23-2009, 04:52 PM
ثم قال تعالى : { للّهِ}،وهذه اللام المتصلة بلفظ الجلالة يسميها علماء النحو لام الاستحقاق ،قال ابن هشام في المغني :وللام الجارة اثنان وعشرون معنى :
أحدها :الاستحقاق ،وهي الواقعة بين معنى وذات ،نحو : {الْحَمْدُ للّهِ}والعزة لله،والملك لله،والأمر لله ،...انظر المغني ج1ص233.أقول :والظاهر لي –والله أعلم-أنها تحتمل معنى الملكية أيضا ،أي أن الحمد مملوك له لكن ليس على نحو الاختصاص،قال السهيلي في نتائج الفكر :...ولذلك قال الله –سبحانه- : {الْحَمْدُ للّهِ}بالألف واللام التي للجنس ،فالحمد كله له إما ملكا وإما استحقاقا،فحمده لنفسه استحقاق ،وحمد العباد له وحمد بعضهم لبعض ملك له ،فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يضاف إليه على جهة الاستحقاق وقد تعلق بغيره.اه ص 371 أقول :فإذا كان الحمد له على نحو الاستحقاق والملكية فينبغي أن يكون- إذا ترك الخلق بلا مرشد معصوم-غير مستحق للحمد ولامالكه –والعياذ بالله –لأنه لايستحق الحمد ولا يملكه من يدع خلقه وهم القاصرون من غير مرشد كامل بل يستحق الذم من ذوي العقول والنهى ،وهو ما نجل عنه الله سبحانه وتعالى ،فهو يستحق الحمد من وجوه كثيرة وعلى رأس تلك الوجوه أنه سبحانه وتعالى لم يترك عباده هملا لاراعي لهم يدلهم إليه،ويوفدهم عليه ،ألا تراه يقول سبحانه وتعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15وقد استنبط علماء الكلام من هذه الآية ونظيراتها قولتهم الشهيرة :قبح العقاب قبل البيان ،ولا يكون العقاب قبيحا إن كان البيان قبله ،وكان كاملا ،وليس يكمل إن كان المبين غير معصوم ،على أن لبعض العلماء نظرا في الاستدلال بهذه الآية –كمافي وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول للميرزا حسن السبزواري-لكن إن بطل الاستدلال بها فلهم من سواها دليل جلي كقوله تعالى:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }القصص59 وقبلها الدليل العقلي.والله العالم

حسن الرستم
07-23-2009, 04:53 PM
ثم إننا نسأل هاهنا سؤالا وهو:إن كان الله يستحق الحمد -وهو كذلك-فهل يستحقه في آن دون آن ،أم يستحقه في كل آن ؟والجواب :إننا إن قلنا بالأول وهو أنه يستحق الحمد في آن دون آن فسيلزمنا أن نؤمن أنه يجوز أن يذم في ذلك الآن الذي لايحمد فيه لأنه يكون قد خلا مما يحمد عليه أو يكون جمع الحمد إلى الذم وهذا مما لايصح بحال من الأحوال،فإذا انتفى الأول ثبت الثاني ،وهو أنه يحمد في كل آن،فإذا ثبت عندك هذا ،فإنك تكون قد أثبت وجود الإمام الحجة -عليه السلام-لأن عدم وجوده يقتضي عدم وجود المعصوم وارتفاع هذا اللطف الإلهي قبيح يذم عليه-تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-فعلى هذا يثبت لك وجوب العصمة واستمرارها في كل زمان ،وهذا ماقرره الحديث الشريف الذي رواه علماؤنا ورواتنا فقد نقله الشريف المرتضى في الانتصار،قال:...في قوله (صلى الله عليه وآله):إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلواكتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.ص80ووجه الاستدلال به يكون في قوله:لن يفترقاحتى يردا علي الحوض،وعدم وجود العترة أوعدم عصمتها افتراق بينهما ،وهو ما نفاه الحديث الشريف على نحو مطلق إن قوله تعالى{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2لم يذيل بزمن ولم يقيد به.والله العالم

حسن الرستم
07-23-2009, 04:53 PM
وقد قسم علماء النحو الجملة إلى أقسا م كثيرة وذلك بحسب وجه القسمة ،لكن التقسيم الذي يهمنا من تلك التقسيمات هو تقسيمهم الجملة إلى قسمين هما:الجملة الاسمية والجملة الفعلية،قال الدكتور فاضل السامرائي:الجملة الاسمية هي التي صدرها اسم كمحمد حاضر ،والجملة الفعلية هي التي صدرها فعل نحو:حضر محمد وكان محمد مسافرا وظننت أخاك مسافرا.انظر :الجملة العربية تأليفها وأقسامها ص157
أقول :ولما كانت الجملة الاسمية مبتدئة باسم كانت الدلالة مختلفة فيها عن الجملة الفعلية لابتدائها بفعل،قال الدكتور السامرائي :ذكر بعضهم أن الجملة الاسمية تدل على الثبوت والجملة الفعلية تدل على الحدوث وهذا من باب التجوز في القول أما الصحيح فهو أن الاسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث ف(منطلق)يدل على الثبوت و(ينطلق)يدل على الحدوث والتجدد ....فالجملة لا تدل على حدوث أو ثبوت ولكن الذي يدل على الحدوث أو الثبوت ما فيها من اسم أو فعل كما ذكرنا.... المصدر السابق ص161-162 فإذا ثبت عندك هذا فاعلم أن قوله تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2 جملة اسمية وذلك لابتدائها بالاسم:الحمد ،والاسم كما سبق يدل على الثبوت ،فإذا ثبت هذا فإن الحمد لله (سبحانه وتعالى )يكون ثابتا لا متغيرا ولا متحولا عنه ،فإذا كان كذلك وجب أن لا يعتري هذا الثبوت ما يؤدي به إلى عدم الثبوت ،ومما يؤدي إلى عدم الثبوت فعل شيء يذم عليه –تعالى الله عن ذلك –ومما يذم عليه –كما قلنا سابقا-تركه الخلق بلا معصوم يرشدهم وفي هذا ضلالهم بلا شك .والله أعلم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:54 PM
ثم إن قوله تعالى : { للّهِ}فيه بحثان يدلا ن على العصمة:
الأول:وهو الذي نحسبه هو الرأي الأمثل في معنى لفظ الجلالة والعلم عند الله ،قال الراغب الأصفهاني:الله قيل أصله إله فحذفت همزته وأدخل عليه الألف واللام فخص بالباري تعالى ولتخصصه به قال تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً }مريم 65.المفردات ص31وقال الشيخ الطبرسي : { الله}أصله :إله ،فحذفت الهمزة ،وعوض عنها حرف التعريف ،ولذلك قيل في النداء:{ياالله}بقطع الهمزة،كما يقال:{ياإله}.ومعناه :أنه الذي يحق له العبادة ...جوامع الجامع ج1ص52،فإذا علمت هذا فهاهنا سؤال وهو:إذا كان لفظ الجلالة يدل على المستحق للعبادة من حيث الاشتقاق فالمستحق للعبادة ينبغي أن يكون كاملا كمالا مطلقا لايشوبه أي نقص أبدا فإذا ثبت هذا فإنه وقد خلق عبادا وكلفهم بعبادته بين أمرين لا ثالث لهما وهما: الأول :وهو أنه يأمرهم بعبادته عن طريق رسول يرسله ثم يكون هذا الرسول غير معصوم ولازم هذا أن أن يقع في خطأ في التبليغ أو أن يفهم ما بلغه خطأ أو أن يسهو في تبليغه أوأوأوفكيف تتحقق عبادته إذن ؟فلابد على هذا من معصوم وهو المطلوب.أما الثاني:وهو أن يرسل رسولا معصوما لايخطىء في تبليغه ولا يسهو ولا يفهم ما بلغه خطأ ولاولاولافذلك هو مرادنا وقد أثبتناه في الأول .ولا يمكن أن تكون عبادته بوحيه لكل أحد من الناس فإن : {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }الحج75.هذا هو البحث الأول.
أما البحث الثاني فيتعلق بمعنى لفظ الجلالة عند علماء التوحيد والعرفان ،قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه الأمثل: بعد كلمة الاسم نلتقي بكلمة (الله) وهي أشمل أسماء ربّ العالمين فكل اسم ورد لله في القرآن الكريم وسائر المصادر الإِسلامية يشير إلى جانب معين من صفات الله. والاسم الوحيد الجامع لكل الصفات والكمالات الإِلهية أو الجامع لكل صفات الجلال والجمال هو (الله).
ولذلك اعتبرت بقية الإسماء صفات لكلمة (الله) مثل: (الغفور) و(الرحيم) و(السميع) و(العليم) و(البصير) و(الرزاق) و(ذو القوة) و(المتين) و(الخالق) و(الباري) و(المصوّر).
كلمة (الله) هي وحدها الجامعة، ومن هنا اتّخذت هذه الكلمة صفات عديدة في آية كريمة واحدة، حيث يقول تعالى: (هُوَ اللّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الّقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزيرُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)(27)
أحد شواهد جامعية هذا الاسم أنّ الإِيمان والتوحيد لا يمكن إعلانه إلاّ بعبارة (لا إله اِلاّ الله)، وعبارة (لاَ إِلهَ إلاَّ القَادِر... أو إِلاَّ الخالِق ... أو إِلاَّ الرَّزَّاق) لا تفي بالغرض. ولهذا السبب يشار في الأديان الاُخرى إلى معبود المسلمين باسم (الله) فهذه التسمية الشاملة خاصة بالمسلمين.ج1ص31-32
أقول:بناء على قول الشيخ الشيرازي فإننا نقول:إذا كان لفظ الجلالة{الله}جامعا لكل الصفات والكمالات فإنه لا يكون كذلك –وهوسبحانه كذلك-إذا خلق خلقا وتركهم هملا بلا معصوم يرجعون إليه ولو أرسل إليهم غير معصوم ماأدى مراد الله لأنه يحتاج إلى غيره من الخلق،قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }يونس35.والله وحده هو العالم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:54 PM
أما قوله تعالى : { رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2 ففي قوله : { رَبِّ}ما نستنبط منه دليلا على العصمة وإليك –أيها القارىءالعزيز- مقدمة قبل استنباط الدليل وهي مقدمة لغوية:قال ابن فارس في مقاييس اللغة :
(رب) الراء والباء يدلُّ على أُصولٍ. فالأول إصلاح الشيءِ والقيامُ عليه فالرّبُّ: المالكُ، والخالقُ، والصَّاحب. والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء. يقال رَبَّ فلانٌ ضَيعتَه، إذا قام على إصلاحها.وقال أيضا في المادة نفسها: والرّبُّ: المُصْلِح للشّيء. والله جلّ ثناؤُه الرَّبٌّ؛ لأنه مصلحُ أحوالِ خَلْقه.مادة ربب.
وقال الراغب في المفردات مادة (رب): الرب في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام، ويقال ربه، ورباه ورببه.
وقال الزبيدي في تاج العروس: الرَّبُّ هُوَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وهو رَبُّ كلِّ شيءٍ أَي مالِكُه له الرُّبُوبِيَّةُ على جَمِيعِ الخَلْقِ لا شَرِيكَ له وهو رَبُّ الأَرْبَابِ ومَالِك المُلوكِ والأَمْلاَكِ .مادة ر ب ب
أقول :فإذا علمت هذا فها هنا بحث وهو:إذا كان الله هو الرب ،أي المصلح لأحوال خلقه فصلا ح أحوال خلقه على نحوين:نحو تكويني وهو ليس محل بحثنا فلا نتكلم فيه،ونحو تشريعي ،وهذا النحويقتضي إنزال دين وتحميله رسلا يبلغونه إلى الخلق المكلفين بل حده كذلك ،وليس تتم التربية التشريعية مالم يكن من حملها معصوما ،لأن مقتضى عدم عصمته أن لا تتحقق التربية التشريعية على النحو الذي يريده الله {عز وجل}لأنه –كما أسلفنا –سيخطىء وسينسى وسيغلبه هواه وما سوى ذلك من لوازم عدم العصمة ،قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116وقال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }القصص50والله أعلم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:54 PM
ومما يقال في هذا اللفظ أن للحمد اعتبارات كثيرة والربوبية من أجلى اعتباراته ألا تراه كيف بدأبه السورة ،ثم إنك إذا حمدته بهذا الاعتبار فقد حمدته فيما حمدته على أن لم يتركك بلا معصوم يهديك –بإذن الله –إلى صراط مستقيم فعليك أن تكون صادقا في حمده هذا،فلا تحمده على ما ذكرت لك ثم تكون مخالفا لما يأمرك به المعصوم ،فتكون كمن لم يحمد الله على وجود المعصوم،بل قد يرى أنه ربما فهم شيئا لم يفهمه المعصوم –والعياذ بالله-فيطيع هواه ومناه بل قد يبلغ الحال ببعض الناس أن يعترض على حكم المعصوم وتلك هي الداهية الدهياء ولكن الله {عز وجل}يقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً }النساء65
إنك إذا أردت أن تعرف كيف أن الله يوفقك عبر صفة الربوبية-من حيث التشريع- فانظر كيف طاعتك للمعصوم فهي مقياس لذلك ،وهنا أقول: إن من ينكر العصمة البتة مع قيام الحجة البالغة عليه فإنه ينكر النحو التشريعي من التربية –علم أم لم يعلم-وذلك أن التربية التشريعية منوطة بوجود المعصوم ،ولذلك كان الله غير معذب لأمة لم يبعث إليها معصوما ،قال تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15بل إن الوجود المادي للمعصوم رافع للعذاب ،قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33والله العالم

حسن الرستم
07-23-2009, 04:55 PM
أما لفظ {العَالمِينَ}فقد اختلف المفسرون في معناه وقد لخص الشيخ الطوسي (رحمه الله) في التبيان آراءهم ،قال : والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش وغير ذلك
والعالم في عرف اللغة عبارة عن الجماعة من العقلاء لأنهم يقولون جاءني عالم من
الناس ولا يقولون جاءني عالم من البقر وفي عرف الناس عبارة عن جميع المخلوقات
وقيل إنه أيضا اسم لكل صنف من الأصناف وأهل كل زمن من كل صنف يسمى
عالما ولذلك جمع وقيل عالمون لعالم كل زمان قال العجاج :
فخندف هامة هذا العالم
وهذا قول أكثر المفسرين كابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم
واشتقاقه من العلامة لأنه علامة ودلالة على الصانع تعالى وقيل إنه من العلم - على
ما روى ابن عباس - قال هم صنف من الملائكة والإنس والجن لأنه يصح أن يكون
كل صنف منهم عالما.انظر تفسير سورة الفاتحة من التبيان.
وقد ذكر الله في هذه الآية التي نحن في الحديث عنها أنه {عز شأنه}{رب العالمين}والعالمون -على أي وجه فسرتها-مربوبون لله {عز شأنه}والمربوب لله لا يكون مرتبطا بالله ارتباطا ماديا لأن الله {عز شأنه}لايجوز عليه ذلك- كما ثبت في محله من أبحاث علم الكلام والفلسفة عند علمائنا-أي أنه سبحانه وتعالى ليس بمادة فيصح عليه الالتباس بالمادة ولما كان الله {عز شأنه}كذلك ،كان لابد من واسطة بينه وبين خلقه وذلك ليس قصورا في قدرته على أن يتصل بهم مباشرة ولكنه قصور في المخلوق .
والمخلوق على نحوين هما:مخلوق وهب مناط التكليف وهو العقل ،ومخلوق جرد منه فلا يكلف وهو ليس محل حديثنا،والمخلوق الذي وهب مناط التكليف له مصاديق في الخارج وعلى رأس هذه المصاديق بل هو أفضلها الإنسان ،والتكليف أوامر ونواه والأوامر والنواهي يتلقاها المكلَف من المكلِف،والتلقي لابد له من قابلية يستطيع بها المتلقي حمل الرسالة قال تعالى: {وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ }الأنعام124وقال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }الحج75
ولما كان الأمر كذلك كان الظالم ممن لايصح تلقيه للرسالة ،قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }البقرة124فمن هاهنا وجب أن يكون المتلقي معصوما لأن الذنب حجاب والاتصال بالسماء يحتاج إلى طهارة وصفاء ونزاهة وليس يخلومنها الظالم ولما كان أهل البيت{ عليهم السلام} حملة لهذه الرسالة كان لابد أن يكونوا مؤهلين لذلك قال تعالى:{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33والله العالم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:55 PM
ثم قال تعالى : { الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ }الفاتحة 2،إن هذه الآية الشريفة قد تضمنت اسمين من أسماء الله عز وجل ،ولست أريد الكلام على الفرق بينهما ،فهذا بحث له موضعه ،غير أنني أريد الكلام على صفة الرحمة التي هي من أجلى صفات الله {عزوجل}،إنها صفة لم تدع شيئا إلا وكان لها فيه فعل ،أليس الله{عزوجل} يقول :
{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }الأعراف156وورد في دعاء كميل :{اللهمَ إني أسألكَ برحمتكَ التي وسعت كلَ شيءٍ}
إن هذه الرحمة لها مصاديق كثيرة ،ليس يدركها الحصر ،لكن المصداق الأجلى لها هو رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم}،وآله الطاهرون {عليهم السلام }وفي الزيارة الجامعة :{أنتم السبيل الأعظم،والصراط الأقوم،وشهداء دار الفناء،وشفعاء دار البقاء ،والرحمة الموصولة،..}مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج10ص424،فإذا علمت هذا فهاهنا سؤال وهو:كيف يكون الرسول الأعظم{صلى الله عليه وآله وسلم} وآله الطاهرون رحمة؟فأقول :هذا بحر لا ساحل له، فبحسبك أن تعلم أن وجودهم في هذه الدنيا هو من أعظم ما يرحم به الوجود كله ،وقد قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }الأنفال33وفي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار قال:حدثنا محمد بن عيسى قال حدثني المؤمن حدثني أبو هراسة عن أبي جعفر عليه السلام قال لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لساخت بأهلها كما يموج البحر بأهله.ص508 ومثل هذا الحديث كثير جدا في المظان الحديثية،وفي الزيارة الجامعة:{وبكم ينزل الغيث والرحمة ،وبكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه،وبكم ينفس الهم،ويكشف الضر،...} مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج10ص423،ثم إنه{صلى الله عليه وآله وسلم}،وآله الطاهرين {عليهم السلام }بما جاؤوابه من الدين وما تركوه لنا من التشريع قد أركبونا مركب النجاة والرحمة ،أليس الله {تعالى شأنه }يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107والحديث الشريف يقول:{إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي...}انظر :الانتصار للشريف المرتضى ص80 ومصادره كثيرة جدا.ومقتضى كونهم رحمة تشريعية –وهم رحمة تكوينية أيضا-أن يكونوا معصومين ،لأنهم لو كانوا على غير ذلك لكانوا –حاشاهم-يذنبون، والذنب مما يناقض الرحمة بل وينقضها أليس الله تعالى يقول: {أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ }غافر21ويقول: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ }الأنعام6،فكيف نرحم بهم وهم يذنبون ،ولوكانوا يذنبون لكانوا هم أنفسهم سببا لارتفاع الرحمة وهذا نقيض ما خلقوا من أجله. وهذا واضح بحمد الله وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.والله أعلم بصواب القول في كتابه.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:55 PM
ومما يقال في هذا الموضع من البحث إن الله {سبحانه وتعالى }جعل الاستغفار بابا من أبواب الرحمة ،قال {عز من قائل}: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ }هود52،وقال أمير المؤمنين {عليه السلام}في نهج البلاغة: وقد جعل الله سبحانه الاستغفار
سببا لدرور الرزق ورحمة الخلق فقال : " اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً
يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارا ًوَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ " فرحم
الله امرأ استقبل توبته ، واستقال خطيئته ، وبادر منيته .انتهى.ثم إنه {تعالى} قال في كتابه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً }النساء64 فانظر كيف أن هذا الاستغفار الذي هو
سبب لدرور الرزق ورحمة الخلق قد كان الواسطة فيه و الوجه الذي يؤتى لقبوله هو رسول الله{ صلى الله عليه وآله وسلم}.ثم أتظنه يصل إلى هذا المقام ثم لا يكون معصوما؟!!حاشا وكلا،وشاهد آخر يؤكد ما ندعيه وهو قوله {تعالى}:{قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ #قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }يوسف98-97ووجه احتجاجنا بهاتين الآيتين جلي{ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ }ق37.ومن الآيات التي وصفت الرسول { صلى الله عليه وآله وسلم}بالرحمة قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }التوبة61.
وإذا شئت أن تتبين كيف أن العصمة رحمة ،فهب أننا بلا معصوم فكيف ترانا نكون ؟إليك هذه الرواية ،فهي جوابك الذي لا تسأل بعده عن جواب:فعن رسول الله{ صلى الله عليه وآله وسلم}أنه قال:{أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه،يتم يتيم انقطع عن إمامه،ولا يقدر على الوصول إليه،ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا،وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره،ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى}.انظر :ميزان الحكمة ج4 ص3710وهذه الرواية تعني بانقطاع الإمام عن الناس أنه لايستطيع الاتصال بهم لأمرما ،فما ظنك إذن بعدم وجوده مطلقا ؟؟؟!!!

حسن الرستم
07-23-2009, 04:56 PM
ثم قال تعالى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }الفاتحة4 وهذه الآية الشريفة من أدل الآيات على العصمة وهانحن نبين لك ذلك فنقول:
إن قوله : {مَالِكِ }دال على مملوك وهو هنا يوم الدين ،وظاهر الآية دال على ملك هذا اليوم فحسب ولا تدل على ملك غيره وإن لم تنف ملك غيره،فيقال:أوهذا كل ملك الله ؟ والجواب:لا ،ليس هذا كل ملك الله طبعا،كيف هذا والله{عز شأنه}يقول: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة107ويقول: {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران189وإنما خص يوم الدين بالملك لأنه {سبحانه وتعالى }يبطل في ذلك اليوم كل ملك ،ألا تراه يقول: {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }غافر16فإذا ثبت عندك هذا فاعلم أنك مما يملك {سبحانه وتعالى}والمملوك لابد له من سياسة،فإن المالك إن ترك المملوك بلا سياسة هلك المملوك لا محالة، وهذه السياسة على ضربين :سياسة مادية وهي ليس محل حديثنا ،وسياسة معنوية وهي الدين ،وهذه السياسة إنما تعرف عن طريق الرسالات السماوية ،ولم يكن أحد ليعرف سياسة روحه من تلقاء نفسه ،ألا ترى الذين يضعون لأنفسهم سياستها كيف يرتعون في الغي ،ويردون موارد الهلكة ،وقد قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأ َسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً }الجن16وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ }المائدة66وغير ها آيات لا تكاد تحصى،فإذا علمت هذا دلك على ما ندعيه وهو العصمة لأنك أيقنت أنه لابد من سياسة سماوية والسياسة السماوية إن كان القيم عليها غير معصوم لم تكن لتبلغ مأربها لأن غير المعصوم مظنة الغفلة والشهوة والخطأ والنسيان وغير ذلك كثير كما قلنا فيما سلف من البحث .والله أعلم بأسرار كتابه.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:57 PM
ثم إن قوله تعالى: { يَوْمِ الدِّينِ }الفاتحة4دال على العصمة وإليك تفصيل القول:
يكاد يطبق المفسرون على أن يَوْمَ الدِّينِ هو يوم القيامة وثمة رأي آخر غير أنه لم يبلغ في القول به ما بلغه القول الأول ،وإن من نافل القول أن نعلمك –أيها القارئ العزيز - بأن يوم القيامة هو يوم الحساب والجزاء فهذا مما يكاد يكون عندك مسلمة لا يعوزك الدليل عليها في شيء، بل إن حالنا سيكون كما قال أبو الطيب المتنبي:
وليس يصحُّ في الأذهانِ شيءٌ ... إذا احتاجَ النهارُ إلى دليل
والدين هاهنا هو الجزاء ،قال ابن منظور في لسان العرب: و الدِّين : الجزاء والمُكافأَة.مادة دين.وقال الشيخ الطوسي في تفسير هذه الآية في كتابه التبيان: والدين الحساب والدين الجزاء أيضا قال كعب بن جعيل :
إذا ما رمونا رميناهم * ودناهم فوق ما يقرضونا
وقال آخر :
واعلم وأيقن أن ملكك زائل * واعلم بأنك ما تدين تدان
يعني : ما تجزي تجزى ومنه قوله تعالى{كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ }الانفطار9 يعني
بالجزاء وقوله{فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ }الواقعة86 أي غير مجزيين و بهذا قال جماعة
من التابعين كسعيد بن جبير وقتادة وروي عن ابن عباس ومجاهد وأبي جعفر :
أنه الحساب.
وقد ورد هذا التركيب –أعني قوله : :{ يَوْمِ الدِّينِ }في غير آية من كتاب الله قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ }الحجر35،وقال تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ }الشعراء82وقال تعالى: {وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ }الصافات20،وقال تعالى: {يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ }الذاريات12،وغيرها من الآيات.وورد في الكافي عن أبي جعفر قال :قال رسول الله {صلى الله عليه وآله }لجعفر عليه السلام حين قدم من الحبشة: أي شيء أعجب ما رأيت؟قال:رأيت حبشية مرت وعلى رأسها مكتل فمر رجل فزحمها فطرحها ووقع المكتل عن رأسها فجلست ثم قالت:ويل لك من ديان يوم الدين إذا جلس على الكرسي وأخذ للمظلوم من الظالم فتعجب رسول الله {صلى الله عليه وآله }انظر ج8ص366،وورد كذلك في نهج البلاغة ،قال عليه السلام: وشهيدك يوم الدين وبعيثك بالحق .وغير ذلك كثير في الحديث.
وفي الحديث عن أبي عبدالله الصادق{ عليه السلام}أنه قال:بعد أن شرح : {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }الفاتحة2الرحمن بجميع خلقه،الرحيم بالمؤمنين خاصة،مالك يوم الدين ،قال:يوم الحساب.انظر :تفسير نور الثقلين للحويزي ج1 سورة الفاتحة.
ونقول بناء على هذا إن الحساب لايصح على غير عمل والعمل ليس لك أن تعبد الله به كما تريد بل يجب أن يكون كما يريد الله{عز شأنه}قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ }آل عمران19فانظر كيف قال :{ عِندَ اللّهِ}فإنه بالمفهوم المخالف يقال:إن الدين عند غير الله هو غير الإسلام فإذا كان كذلك قيل لمن تدين به: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85وإنك لن تعرف كيف يعبد الله مالم يأتك به متصل بالسماء وهم الأنبياء والرسل وأصياؤهم {عليهم السلام}قال تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الحشر7ولا يتصل بالسماء إلا المعصوم-ونعني به الاتصال لتلقي الأحكام لا الاتصال مطلقا- وإلا فإنه يلزم منه ما قلناه فيما مضى من البحث .وخلاصة القول :إن الدين هنا هو الجزاء والجزاء لابد أن يكون على عمل ولا بد أن يكون العمل منصوصا عليه إما على نحو الخصوص كالصلاة أو على نحو العموم كوجوه البر المختلفة والناص لايصح أن يكون إلا معصوما للزوم الباطل في غير ذلك فثبت ما أردنا .والله العالم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:57 PM
وقال تعالى : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }الفاتحة5،أقول ومن الله أستمد الصواب:إن قوله {عز شأنه}:{إِيَّاكَ}دال على العصمة وإليك بسط القول:قال الجوهري في الصحاح: إيَّا: اسمٌ مبهم، وتتَّصل به جميع المضمرات المتصلة التي للنصب، تقول: إيَّاك وإيَّايَ وإيَّاهُ وإيَّانا. وجعلت الكاف والهاء والياء والنون بياناً عن المقصود، ليُعلم المخاطَبُ من الغائب؛ ولا موضع لها من الإعراب.انظر الصحاح مادة إيا،وقال الزجاج والسيرافي: (إيا) اسم ظاهر مضاف إلى المضمرات كأن (إياك) بمعنى نفسك.انظر شرح الرضي على الكافية.وقال محيي الدين الدرويش في إعراب القرآن الكريم وبيانه: {إِيَّاكَ}ضمير منفصل في محل نصب مفعول به مقدم للاختصاص.انظر ج1ص30.إذا علمت هذا
فلتسأل نفسك :إذا كان قولهم :إيا ضميرا اتصلت به كاف الخطاب وهو مقدم للاختصاص فالكاف هذه لخطاب من ؟أتراك تقدم إيا للاختصاص وتجعل كاف الخطاب متصلة بهادون أن تعرف أنها تخصص ماذا بماذا ودون أن تعرف من تخاطب ،إن التخصيص والخطاب دالان على معرفة وإن تفاوتت بين من يقرؤون القرآن الكريم إلا أنهم قد اكتسبوا شيئا من معرفة المعبود فخصوه بما نصت عليه الآية -وسيأتي الكلام عليه- وخاطبوه ومن بدهي معرفته أنه معبود كامل الذات وإلا كيف خص وخوطب ثم يكون غيره أكمل منه أو مكملا له،ألا ترى أن الذين لا يرون كماله المطلق قد يعبدون معه غيره أو يجعلون له ولدا أو صاحبة قال تعالى: {وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ }البقرة116وقال تعالى رادا عليهم: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }الأنعام101فانظر كيف يصف نفسه بصور من الكمال ،ثم ألا ترى الله{عز شأنه}يعيب عليهم عبادة مخلوق غير كامل قال سبحانه: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ }الأعراف195وقال تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ #قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ#أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}71-73الشعراءولما كانت علاقة الوالدية تمثل منقصة للمعبود قال تعالى معلما نبيه{صلى الله عليه وآله}:{قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ }الزخرف81 فإذا علمت هذا فلتعلم أن ترك المخلوق من قبل الخالق الذي ثبت كماله المطلق بلا مسدد له مع وجود الأوامر والنواهي-على أن وجود الأوامر والنواهي دال على العصمة- ووجود النفس الأمارة والشيطان والحياة الدنيا يعد ظلما للمخلوق يجل عنه الباري {عز وجل}فإذن لابد من مسدد ،وهذا المسدد-بكسر الدال- إن لم يكن مسددا-بفتح الدال-من قبل الله{عز وجل}ضل وأضل فعلى هذا لابد من المعصوم والله العالم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:57 PM
ومما يستدل به على العصمة في هذه الآية الشريفة قوله تعالى:{ نَعْبُدُ}وهاك تفصيل الكلام:إن مما تسالم عليه علماؤنا أن العبادة أمر توقيفي لا توفيقي ،أي أن البشر ليس لهم من الأمر شيء في التشريع الإلهي وإنما حق التشريع لله {عزوجل}قال تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ # وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ#وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}59-61يونس .قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل :إن الآيات أعلاه قد أثبتت ضمن عبارات قصيرة هذه الحقيقة وهي أن حق التشريع مختص بالله ،وكل من يقدم على مثل هذا العمل بدون إذنه وأمره ،فإنه يكون قد افترى على الله ...انظر تفسيره لهذه الآيات .وقال الشيخ جعفر السبحاني :..إن حق التشريع على العباد من شؤون الربوبية...انظر :الإلهيات ص427الدار الإسلامية.وقد ورد في بعض أقوال العلماء أن للرسول {صلى الله عليه وآله وسلم }ولأهل البيت{عليهم السلام} حقا في التشريع وهذا إنما صح لأنه وقع بإذن الله {عز وجل}ومن أذن الله له فإنما يكون مشرعا على نحو التفويض لا على نحو الأصالة ،قال السيد جعفر مرتضى العاملي:ليس لأحد حق التشريع ،ولا يؤخذ من أحد سوى الله ورسوله ثم من أمر رسول الله{ص}بأخذ الشريعة منهم وهم أهل البيت الأطهار {عليهم السلام}...انظر :الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج1 ص257دار السيرة.وهذا بحث ليس هذا محله.
أقول :وإنما جعلت العبادة أمرا توقيفيا لأن الله عزوجل هو خالق الإنسان وخالقه هو أعرف به ،قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14فإذا كان كذلك كان أعرف بكيفية عبادته ،وإنك لترى الإنسان الذي يعطي نفسه حق تشريع العبادات كيف يخبط خبط عشواء،ويأتي بها شوهاء خرقاء وهذا باب لانريد تفصيله ،غير أنني أبني عليه لأنه مقدمة .حسنا، فإذا علمت أن العبادة أمر توقيفي فاعلم أن التوقيفي لابد فيه من اتصال بالسماء وإلا كان توفيقيا وذلك عن طريق الأنبياء وأوصياء الأنبياء {عليهم السلام}وهؤلاء لا بد أن يكونوا أمنا ء على ما يحملون ولا يؤتمن من تجوز عليه المعصية لأنه قد يخون –عياذا بالله-فإذن لابد من معصوم وهو المطلوب .
ثم إن هاهنا كلاما آخر وهو :إن قولك:{ نَعْبُدُ}تنسب فيه العبودية منك لله فتصبح أنت على هذا عبدا لله ومن شرط العبودية أن تكون مطيعا لمعبودك والمعبود هنا وهو الله قد أمرك بطاعته مطلقا وعطف طاعة رسوله {صلى الله عليه وآله وسلم }على طاعته بلا قيد وعطف طاعة أولي الأمر {عليهم السلام}على طاعة رسوله بلا قيد أيضا ،قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59،والطاعة المطلقة بلا قيد دليل على عصمة المطاع.ولذلك من أخذ بطريق هو غير طريق المعصوم فإنه لم يعبد الله حق عبادته لأنه أطاع من لم يؤمر بطاعته مطلقا ،قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }يونس35والله العالم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:58 PM
إن قوله تعالى :{ نَعْبُدُ}فعل مضارع دل على التجددوالاستمرار كما هو معروف لدى علماء النحو ولنا هنا في الدلالة على العصمة بحثان :
الأول :إن النون التي يبتدئ بها الفعل المضارع هي نون تدل على أن المتكلم جماعة وهذه هي الدلالة الحقيقية لها ،وفي هذا إشارة إلى العبادة الجماعية الدالة على الاتحاد فكلنا عابد لمعبود واحد وهو الله {عز وجل} والعبادة لله{ عز وجل }تؤدي بالقائم بها إلى أن يذيب نفسه في مجتمعه لأن خلاف هذا مقتضاه تقديم هوى النفس وتلك عبادة للنفس لا لله { عز وجل }فإذا كان العبد عابدا لله ضمن الجماعة كان طالبا للوحدة الاجتماعية المؤدية بالمجتمع إلى الصلاح ولايتحقق ذلك في حال عدم التوجه بالعبودية المطلقة لله{ عز وجل }والعبودية لله ليست مرتجلة وإنما بإملاء من المعبود والمعبود سبحانه إنما يملي أوامره ونواهيه على الأنبياء وأوصيائهم فإن لم يكونوا في مرتبة العصمة لم يبلغوا العبادة كما يريد المعبود فحينئذ لا يعبد الله{عزوجل}وإنما يعبد الهوى والنفس والشيطان والشهوات وهذا مقتضاه هلاك المجتمع وتمزقه وقد قال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }الأنبياء92
الثاني:قد قلنا آنفا إن الفعل المضارع دال على التجدد والاستمرار والتجدد مقتضاه وجود أفعال جديدة تحتاج إلى أن يعرف حكم الله فيها فإن كثيرا من الأفعال العبادية قد يحدث فيها ما يحتاج إلى كشف حكمه ،وإن حياة النبي {صلى الله عليه وآله}لاتسع النص على كل فعل بعينه –مع علمه المطلق {صلى الله عليه وآله}بحكم كل فعل،فإذا كان غير موجود فمن ذا ينص على حكم هذه الأفعال؟إنهم الأوصياء عليهم السلام وهذا دليل على وجوب استمرار العصمة إلى يومنا هذا بل إلى نهاية التكليف الإلهي للعباد .ورجوعنا إلى الفقهاء إنما هو بأمر المعصوم ،فقد روي عن الإمام الحجة {عليه السلام}أنه قال في توقيع له:وأما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله.انظر:كفاية الأحكام للمحقق السبزواري ج1ص410ثم يؤول الأمر إليه إذا خرج مطلقا فتكون العصمة هي المرجع المطلق لأحكام الشريعة وعلى رأسها أحكام العبادة.والله العالم

حسن الرستم
07-23-2009, 04:58 PM
وفي قوله تعالى : { وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }ما يدلنا على مدعانا وذلك أن الاستعانة بالله{ عز وجل}في هذه الآية الشريفة لم تعلق بشيء فهي مطلقة تقع في كل فعل وفي كل قول والمطلق يبقى مطلقا حتى يقيد بقيد-كما هو معروف في أصول الفقه- ولا قيد هنا،وقد تقول :أو لسنا نستعين بغير الله في كثير من أحوالنا؟فأقول :قال السيد مصطفى الخميني {قدس سره}في تفسيره:ربما تدل الآية الكريمة الشريفة على أن الاستعانة لا يمكن إلا من الله تعالى؛وذلك لأن حصر الاستعانة فيه لا معنى له إلا برجوعه إلى حصر الإعانة واقعا وتكوينا فيه تبارك وتعالى .وبعبارة أخرى :قد أمر الكتاب العزيز بالتعاون ،فقال :{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}المائدة2،وهذا لا يناسب حصر الاستعانة فيه ،إلا برجوع الحصر إلى أن حقيقة المعاونة من الله والإعانة من الله وإرادة العبد من الخلق المتوسطة وبهذا يثبت التوحيد الأفعالي ،ويستكشف نفوذ إرادته تعالى في جميع الأشياء ،وأن كل فعل صادر من العباد وغيرهم ،أنه تعالى ذو مدخلية فيه على الوجه المقرر في الكتب العقلية وفي قواعدنا الحكمية...انظر:تفسير القرآن الكريم ج2ص33- 34وإنما حصرت الآية الاستعانة في المستعان به وهو الله{ عز وجل}، ولا يستعان بالله{ عز وجل}في غير ما يرضاه ،وهو لايعين إلا على مايرضاه ،ورضا الله{ عز وجل}لايمكن معرفة مصاديقه على نحو مطلق إلا بطريقه هو وهو يعلمنا بمواطن رضاه عن طريق حججه على خلقه وهم الأنبياء وأوصياؤهم {عليهم السلام}ولذلك ترى أن الله {عز وجل}يجعل رضاه هو عين رضا رسوله{صلى الله عليه وآله وسلم}قال تعالى:{يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ }التوبة62،ولا يكون رضا الله{عز وجل}هو عين رضا رسوله مالم يكن رسوله{صلى الله عليه وآله وسلم}معصوما لأن خلاف ذلك يقتضي المناقضة،ثم إن ذلك يستتبع أن يكون رضا الله{عز وجل}هو عين رضا خلفاء رسول الله{صلى الله عليه وآله وسلم}لأن رضا الرسول مستتبع لرضا خلفائه ألاترى رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم}يقول لأمير المؤمنين {عليه السلام}:وإن حربك حربي ،وسلمك سلمي..انظر أمالي الشيخ الصدوق ص156.وهذا مقام قد حازته سيدة النساء {عليها السلام}وقد قال فيها رسول الله{صلى الله عليه وآله وسلم}:إن الله ليغضب لغضبك ،ويرضى لرضاك.انظر :بحار الأنوارج43ص21فثبت بهذا أنه لابد من معصوم.

حسن الرستم
07-23-2009, 04:58 PM
وقال تعالى: {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6وهذه الآية الشريفة قد تجلت فيها دلائل العصمة أيما تجل ولنبدأ بحثنا بقوله{تعالى}:{اهدِنَــــا}فنقول :
قال السيد الخوئي {قدس سره}:..إن الهداية من الله تعالى على قسمين:هداية عامة وهداية خاصة .والهداية العامة قد تكون تكوينية ،وقد تكون تشريعية ،أما الهداية العامة التكوينية فهي التي أعدها الله تعالى في طبيعة كل موجود سواء أكان جمادا أم كان نباتا أو حيوانا ..إلخ.ثم قال{قدس سره}:وأما الهداية العامة التشريعية فهي الهداية التي بها هدى الله جميع البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم ،فقد أتم الحجة على الإنسان بإفاضته عليه العقل وتمييز الحق من الباطل ،ثم بإرساله رسلا يتلون عليهم آياته ،ويبينون لهم شرائع أحكامه ،وقرن رسالتهم بما يدل على صدقها من معجز باهر ،وبرهان قاهر ،فمن الناس من اهتدى ،ومنهم من حق عليه الضلالة: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً }الإنسان3.انظر :البيان في تفسير القرآن ص495-496أقول:إذا كانت هداية البشر بإرسال الرسل إليهم فإن مقتضى ذلك أن يكون الرسل مهديين من قبل الله {عز شأنه}وإلا لم تتحقق بهم هداية البشر ،إذ كيف يكمل الضالُ الضالَ؟،وكيف يرشد الغويُ الغويَ؟قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }يونس35ثم إن المَهدِي إما أن يكون مهديا في كل أحواله وشؤونه وإما أن يكون كذلك في بعض شؤونه والثاني لازمه حاجته إلى غيره فيكون مأموما له وهو له إمام فيبطل كونه إماما لكونه مأموما لغيره فيلزم على هذا الأول.والله أعلم

حسن الرستم
07-23-2009, 04:59 PM
ثم إن قوله تعالى:{اهدِنَــــا}على لسان العبد معناه طلب الهداية من الله {عز شأنه} والله {عز شأنه}لا يهدي إلى الضلالة إلا من شاء الضلالة لنفسه ومعنى أن يهديه إلى الضلالة هو أن يحرمه من اللطف الإلهي الذي يوصله إلى الهدى ، وذلك كحال ثمود، قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }فصلت17،ومن أهم ما يحتاجه العبد من الهداية هو الهداية إلى الدين الصحيح الذي يدين به والذي سمته الآية: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }ولا يعرف الدين غير المعصوم ؛لأنه هو المرتبط بالسماء فإذا غاب عن الناس لم يدروا أين {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }فيُعمِلون عقولهم القاصرة فيَضلون ويُضلون ، قال تعالى : {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ }طه85 فعلى هذا فلا بد من حضور المعصوم، ألا ترى كيف أن رسول الله {صلى الله عليه وآله }قرن وجود المعصوم بوجود القرآن الكريم فقال:هذا علي مع القرآن ،والقرآن مع علي.انظر مسند الرضا {عليه السلام}لداود الغازي ص208،وقرن وجوده بوجود الحق فقال:اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار.انظر المسائل الصاغانية للشيخ المفيد {رحمه الله}ص109
ووجود المعصوم ليس مقتضاه أن لا يكون ثمة ضلال بل مقتضاه أن يبين الحق ويظهر فليختر من شاء الهدى الهدى وليختر من شاء الضلال الضلال،غير أننا نقول إن الهدى لايمكن معرفته والوصول إليه إلا بمعصوم والمعصوم إنما يعرف الهدى بالله {عزوجل}وليس من تلقاء نفسه فهدى الله هو الهدى الحق ،قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة120وقال تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }آل عمران73وقال تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام71.ثم إننا نلاحظ أن سؤال الهداية ورد بلسان الجماعة وليس للجماعة أن تصل إلى الهداية فتكون مجتمعة عليها ما لم تكن الهداية من الله {عز وجل}والهداية من الله{عز وجل}لاتكون إلا بطريق الأنبياء والمعصومين {عليهم السلام}ومالم يكونوا معصومين فإن الضلالة ستكون أمرا حتميا ولو في بعض أحوالهم .وقد قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103.وهاهنا ملاحظة وهي أن سؤال الهداية يقتضي إمكانها مطلقا ،فإذا صح هذا المعنى ،صح لنا أن نقول :إن إمكان الهداية على كل حال يقتضي إمكان العصمة المكتسبة فعلى هذا فإن الآية تثبت نحوين من العصمة وهما:عصمة الخاصة وهي عصمة الأنبياء والأوصياء{عليهم السلام}،وعصمة العامة والتي هي مقام يمكن لغير الأنبياء والأوصياء{عليهم السلام}الوصول إليه،على أن ثمة فرقا كبيرا بين العصمتين وهو ليس محل بحثنا.ثم إن قوله تعالى: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6يدل على العصمة ،فقد ورد قوله تعالى: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6معلقا بطلب الهداية ،وهو طلب من عباد لله وعباد الله لن يبلغوا الهداية الحقة مالم يكن ماهدوه صراطا مستقيما،قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ }آل عمران51لأن خلاف الصراط المستقيم –وهوالحق- هو الضلال،قال تعالى: {فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ }يونس32،والصراط المستقيم هو الدين القيم ،قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }الأنعام161فانظر كيف ربط الصراط المستقيم بملة إبراهيم {عليه السلام}وهو نبي ،وقد ثبتت عصمة الأنبياء ،وإلا كيف يكون الدين قيما والحامل له مظنة المعصية والذنب؟أترى يكون الصراط حينها مستقيما؟قال تعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153.
لقد صرح القرآن الكريم بأن الاعتصام بالله يؤدي إلى الهداية إلى الصراط المستقيم ،والاعتصام بالله لازمه الاعتصام برسوله{صلى الله عليه وآله وسلم}، وأوصيائه{عليهم السلام}ومالم يكونوا معصومين فإن الاعتصام بهم لا يهدي إلى الصراط المستقيم لاقتضاء عدم عصمتهم الذنوب والمعاصي والخطأ وهذا نقيض الصراط المستقيم ،قال تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }آل عمران101،وأضاف القرآن الكريم في مواضع أخرى صفة الإيمان ،قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }النساء175،وقال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الحج54والإيمان معنى لا يمكن معرفته إلا بطريق الوحي ،والوحي إنما يكون نزوله على الأنبياء{عليهم السلام} فتثبت عصمتهم لأن خلاف ذلك يقتضي الشك في مفهوم الإيمان ويترتب عليه الشك في مفهوم الصراط المستقيم.وقد فسرت السورة المباركة الصراط المستقيم فقالت: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة7وأقول:مادام المرء غير معصوم فالمعصية والذنب محتملان في حقه ،ويترتب على هذا أن يكون غضب الله والضلال محتملين في حقه أيضا ولو على نحو الإمكان المتعلق بالعادة لا العقل ،فلا يكون إذن غير المعصوم معنيا بقوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة7،على أن القرآن الكريم فسر:{ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}في موضع آخر ،قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }النساء69،وفي معاني الأخبار للشيخ الصدوق قال:حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي،قال حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي ،قال حدثني محمد بن الحسن بن إبراهيم،قال حدثنا ألوان بن محمد،قال حدثنا حنان بن سدير،عن جعفر بن محمد {عليهما السلام }قال:قول الله{عزوجل}في الحمد:{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}يعني محمدا وذريته {صلوات الله عليهم}.ص36وفي رواية أخرى فسر رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} قوله تعالى: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}بقوله:شيعة علي {عليه السلام}الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب {عليه السلام}لم يغضب عليهم ولم يضلوا.المصدر السابق.أقول :ولولا ارتباطهم بالمعصوم لما صح أن يكونوا مصداقا لقوله {تعالى}:{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}وما كل من ادعى التشيع بشيعي فعلى هذا فأهل البيت أصل والشيعة فرعه.
إن مواطن غضب الله {عز وجل }لا تعرف على كل حال إلا بمن يعرف الله {عز وجل }وإن سبب غضب الله هو المعاصي والذنوب -نعوذ بالله منها-وكذلك الضلال فإنه لا تعرف مواطنه مطلقا وعلى كل حال إلابواسطة المتصل بالسماء وهو المعصوم كما قلنا فيما سلف من البحث ،وهو المطلوب .فقد يقدم الإنسان على مايسخط الله وليس يحسبه كذلك، وقد يضل وهو يحسب أنه على هدى ،قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً # الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }الكهف103-104وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ،وأستغفر الله من كل ذنب وأتوب إليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.